أصدرت محكمة بداية بيروت (المكونة من الرئيسة هانيا الحلوة والقاضيتيْن فاطمة بزي وجويل صقر) حكمًا هامًا بتوثيق الممارسات التعطيلية للتحقيقات في قضية المرفأ. الحكم صدر في تاريخ 16/1/2026 في الدعوى التي أقامتْها القاضية دانيا الدّحداح بصفتها شقيقة إحدى ضحايا التفجير، ضدّ النائبين الوزيرين السابقيْن علي حسن خليل وغازي زعيتر، وقد قضى بإلزامِهما بتسديدها مبلغ عشرة مليارات ليرة كتعويض عن الأضرار الناتجة عن تسببهما بتعطيل التحقيق في جريمة انفجار المرفأ، وهو تعويضٌ كانت الدحداح أعلنت إرادتَها بتخصيصه لضحايا المرفأ.
وقد أصدرتْ المحكمة حكمها بعد تثبتها من تعسّف هذين النائبين في ممارسة حقّ الدفاع على نحو حوله إلى أداة لتعطيل التحقيق في قضية المرفأ برمتها. وقد خلصت إلى هذه النتيجة بعدما وثقت تقدّمهما ب 10 طلبات ردّ ومخاصمة قضاة بوجه المحقّق العدلي طارق البيطار والقضاة الناظرين بطلبات الرد فقط خلال الفترة السابقة لتقديم الدعوى (أواخر أيلول 2021- أواخر آذار 2022)، مما أدّى إلى إغراق التحقيق في “دوامة من التعطيل” (العبارة للمحكمة). وقد أكّدت المحكمة في نهاية حكمها أنه “لولا طلبات الردّ المتكررة والمراجعات المتعدّدة التي ألزمت المحقق العدلي بوقف النظر بدعوى انفجار المرفأ، لكان التّحقيق قد تقدّم ولكانت العدالة قد أخذتْ مجراها الطبيعي”.
ويكتسب هذا الحكم أهميّة استثنائيّة: فعدا أنه يوثّق قضائيّا للمرّة الأولى الاستعداء المُمنهج للمحقّق العدليّ في قضية المرفأ بغية شلّ التّحقيق فيها وتعطيله، فإنّه خلص علاوةً على ذلك إلى تحميل المسؤوليّة للجهة المعطّلة بما يشكّل عمل المحاسبة الأول من نوعه في هذا المجال. ومن اللافت أن الحكم اعتبر هذا التعسف ليس فقط إساءة لضحايا المرفأ بل أيضا للعدالة والقضاء اللبناني وللمجتمع برمته، مما يجعل التعويض المحكوم به على الأقل جزئيا ليس فقط تعويضا عن ضرر، بل بمثابة عقوبة مدنيّة أيضًا. ومن هذه الزوايا كافة، يرشح الحكم عن أبعاد تتجاوز حدود قضية المرفأ، طالما أن أساليب الاستعداء التي تثبت منها الحكم استخدمت بصورة منتظمة في عدد كبير من القضايا الهامّة وخصوصا في قضايا الفساد والجرائم المالية والمصرفية. ويؤمل تاليا أن يشكّل مدخلًا لمحاسبة أشمل وبكلمة أخرى نقطة تحوّل في مقاربة مفاعيل ما أسميناه الانقلاب القضائي ومحاسبة مجمل الجهات المنخرطة فيه.
