هل أنصفت العدالة طارق يتيم
ذكرت احدى المواقع الإخبارية ان محكمة التمييز الجزائية استرجعت تفاصيل جريمة قتل جورج الريف على يد طارق يتيم في شهر تموز من العام 2015، وإستعادت مشهدية ذلك اليوم في حكم مبرم اصدرته بحق الجاني مخفّضة عقوبته من الاعدام الى السجن 20 عاماً ، وإلزامه بان يدفع للجهة المدعية مبلغ 450 مليون ليرة كتعويضات شخصية، ومنع المتهم من حمل السلاح مدى الحياة.
وهنا لا بد من تصحيح ما ورد في الموقع الإخباري وتوضيح الحادث الذي ادى إلى توقيف طارق يتيم، بالرغم من ان معظم الناس مطلعة على كافة التفاصيل، وبعد مرور فترة زمنية طويلة كان لا بد من ان نذكر الناس بما حدث.
من عادة جورج الريف ان يذهب يوميا لاصتحاب زوجته بعد انتهاء عملها من المطار، ( جورج الريف هو مسؤول امني في التيار الوطني الحر،و كان يشرف على التجمعات والتظاهرات التي تتبع للتيار)، في هذا اليوم وأثناء عودتهم بسيارتهم باتجاه بيروت، تصادف أمامهم سيارة كيا صغيرة، فيها شخصين عائدين من بحر الجية، صاحبة السيارة التي كانت تقودها هي خطيبة طارق يتيم الذي كان يجلس بجانبها.
لم يكن معروفا الأسباب التي جعلت جورج الريف ان يطارد سيارة الكيا من خلال الضغط على الزمور وحاول بكل الأساليب التضييق عليهم أثناء القيادة، اضافة إلى الشتائم باللسان والأيادي . دون اي مبرر فحاولت خطيبة يتيم الإسراع والابتعاد عنهم قدر الإمكان، اعتقادا منها أنهم أشخاص غير متزنين إلا ان الريف استمر بملاحقتهم والتضييق عليهم، وتبين فيما بعد وأثناء التحقيق ان زوجة الريف حاولت الاتصال بالأمن الداخلي (التسجيل موجود)، وقد عرفت عن نفسها وعن أهمية زوجها في التيار الوطني الحر، وأبلغتهم ان هناك سيارة كيا وأعطتهم رقم السيارة، تقوم بمخالفة قانون السير، وأنا الحاقها، وقد حددت لهم المكان وطلبت منهم ان يلاقوها على المكان الذي ستحدده ومن أنها سوف تستمر بالتواصل معهم . وآنذاك لم يكن ميشال عون رئيسا للجمهورية، حيث كان هناك فراغا بموقع الرئاسة، إلا أنه كان يمتلك اكبر كتلة نيابية، اضافة إلى عدة وزراء ، واستمرت بالاتصال بالأمن الداخلي لعدة مرات وتسأل أين اصبحتم، وقد ابلغها الامن الداخلي في الاتصال الأخير ان هذا الأمر يعود لمسؤوليتهم وهم سيهتمون بالموضوع وطلبوا منها التوقف عن ملاحقة سيارة الكيا والموضوع اصبح بعهدتهم، إلا أنها استمرّت بملاحقتهم، وتبين ايضاً ان هذا الحادث لم يكون الأول من نوعه، وكان الريف وزوجته يقومون بهذا العمل من حين إلى آخر وبنفس الأسلوب ويلزمون السائق التوقف في مكان ما، ومن ثم الاعتداء عليه بالضرب، وهذا امر مستغرب جدا وغير مفهوم .
أما بالنسبة لموضوعنا استمرّ الريف وزوجته بملاحقة سيارة الكيا لغاية بيروت وداخل الأشرفية، حيث دخلت سيارة الكيا التي تقودها خطيبة يتيم وهي غير لبنانية فوصلت إلى طريق مسدود داخل الأشرفية، وجاءت سيارة الريف من خلفهم واغلقت عليهم الطريق فخرج الريف وزوجته من السيارة وهجموا من جهة طارق يتيم، وتبين فيما بعد وأثناء التحقيق ان الريف لا يعرف نهائيا من هو طارق يتيم ولم يسبق له ان رأه سابقا، وايضاً يتيم بدوره لا يعرف اسم جورج الريف ولا عمله ولا وظيفته ولم يسبق له أن سمع به.
خرج يتيم من السيارة وسط الشتائم التي كان يكيل بها جورج الريف وزوجته في محاولة لارعابه، ومن المؤكد ان يتيم كان بحالة عصبية متوترة بسبب ملحقة الريف له، فخرج من السيارة ووجه للريف صفعة على وجه مما تسبب له بالدوران، ثم لاذا الريف بالفرار مباشرة منه، وهذا كله موثق على كاميرات الفيديو في الحي ، فلحق به طارق يتيم من اجل الإمساك به فوقع جورج الريف على الأرض بعد نحو خمسة ستة أمتار ، تبين فيما بعد وحسب الطبيب الشرعي بالمستشفى ان الريف قد تعرض لذبحة قلبية مما ادى إلى وفاته، فلم يعتقد طارق يتيم ولا للحظة ان الشخص قد توفي بذبحة قلبية، فحاول تحريكه وعيني الريف مفتوحتين ولكن دون استجابة فاعتقد يتيم ان الريف قد استسلم فتركه حوالي المترين او الثلاثة، إلا ان يتيم، تخوف من ان يكون الريف يحمل سلاحا، ويحاول الغدر به، فعاد اليه وتلمسه بحثا عن السلاح ، فلم يجد، فأمسك برأسه وضربه بكعب سكين أخرجها من جيبه، مما تسبب بجرح سطحي صغير حوالي ٣ سنت، فعاود طارق وغادر المكان . وللتوضيح ان قرار المحكمة بمنع يتيم من حمل السلاح مدى الحياة مستغرب، مع العلم انه استخدم سكينا صغيرة وكان يمكن ان يستخدم حجرا او اي اداة حادة.هذا التوضيح ضروروي لسبب ان من يقرأ قرار المحكمة يعتقد ان يتيم كان يحمل سلاحا واستخدمه في الحادث.
يتيم وخطيبته غادروا المنطقة وقاما بنصف دورة ليستطيعوا الخروج من الطريق، وكان يتواجد بالقرب من مكان الحادث قوى امن خاصين بأحد المسؤولين الذي يقيم في المنطقة حيث طلبوا سيارة الإسعاف وقاموا بنقل الريف إلى المستشفى، حيث كان يلفظ انفاسه الأخيرة، فتوقف قلبه وحاولوا إنعاشه بصعقات كهربائية فنشط لوقت محدود ومن ثم توقف.
وهذا ما يؤكده تقرير الطب الشرعي والأطباء الذي اشرفوا على علاجه، والذين أوضحوا ان سبب الوفاة هو ذبحة قلبية، كما ذكر التقرير ان هناك جرح صغير بالرأس ولكن لا علاقة له بالوفاة.
في اليوم الثاني علم طارق يتيم بوفاة جورج الريف عبر وسائل الإعلام ، فقام طارق يتيم بتسليم نفسه، وذلك بعد توقيف خطيبته، كون السيارة التي تملكها معروفة ومعروف رقمها، وعندما ذكرت اسم طارق يتيم من انه كان برفقتها فاتصلت به فقام بتسليم نفسه.
وبدأت وسائل الإعلام تتحدث عن هذا الحادث، قامت محطة “او تي في” الموالية لميشال عون، بحملة كبيرة كون جورج ريف شخص مهم داخل التيار، وعلم التيار ان طارق يتيم يحمل افكارا سياسيا تختلف عنهم كليا، فبدأت الحملة الإعلامية دون توقف، وتبعتهم عدة وسائل إعلامية من خلال الشعبوية، وفتحت قناة “الاو تي في” حسابا بنكيا من اجل الحصول على تبرعات لزوجة الريف، وكان كل يوم يتم الإعلان عن المبلغ الذي وصلوا اليه، ولكن لا احد يضمن صحة الأرقام التي كان يتم التداول بها.
وبدأت المحكمة، لعدة اشهر دون التمكن من إثبات اي شيء على طارق يتيم، وقد طلبت محامية زوجة الريف ومحامية التيار العوني الحكم بالإعدام على خطيبة يتيم كونها شريكة في الجريمة، لم توافق المحكمة كونه لا يوجد اي إشارة او عمل يدين خطيبة يتيم، إلا ان وبضغط من التيار الحر، كانت خطيبة يتيم تتعرض يوميا للضرب والشتائم ورميها على ونزع شعرها بالقوة وبأسلوب همجي وغريب جدا عن المجتمع اللبناني، إلى ان تم الإفراج عنها بعد عدة اشهر من قبل القاضية التي تسلمت ملف يتيم، وفي هذه الأثناء تم انتخاب ميشال عون رئيسا الجمهورية، وقامت الهيئة العليا للقضاء بالذهاب إلى بعبدا لتهنئته كما هو متعارف عليه، وطلب عون مباشرة منهم ماذا تنتظرون للادعاء على أشخاص متهمين بالقتل، وماذا تنتظرون لاصدار أحكامكم بالإعدام عليهم، فأجابته احدى القضاة والتي تمسك بملف يتيم، حيث اعتبرت ان الكلام موجه اليها، حيث قالت له فخامة الرئيس لم يقوموا بتزويدكم بكل المعلومات حول هذا الملف، الذي هو عندي، فلفلف الموضوع وقال لها نتحدث فيما بعد عن هذا الأمر.
فيما بعد حدث تشكيلات قضائية وتسلم الملف القاضي طارق بيطار، واصدر حكمه بالإعدام على طارق يتيم بشكل سريع جدا بناء على طلب الرئيس ميشال عون، دون اي ادلة تثبت هذا الحكم. (على طراز غادة عون – نفس المدرسة).
“هكذا قال الرب ملعون الرجل الذي يتكل على الإنسان، ويجعل البشر ذراعه”(ارميا 17-5)
وبالعكس، “طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الاشرار وفي طريق الخطاة لم يقف وفي مجلس المستهزئين لم يجلس”. كما تفعل المدرسة التي ذكرناها ( المزامير – ١).
محامي طارق يتيم قام بتمييز الحكم، وعادة عندما يكون هناك حكم بالإعدام يوافق القضاء على اعادة المحاكمة، ولهذا في بعض الأوقات، يكون هناك ضغط سياسي على قاضي معين، فيصدر القاضي حكم بالإعدام، وبشحطة قلم فيما بعد يتم إلغاء حكم الإعدام ويصدر حكم بالمؤبد، من اجل تجنب الشورى ان تفتح الملف، ولدينا إثبات على هذه التصرفات.
بدأت الجلسات الجديدة للمحاكمة فبدأت من جديد، في هذا الوقت انتهت ولاية ميشال عون، الهيئة الجديدة أصبحت متحررة من الضغط السياسي الذي كان موجود لتحكم حسب القوانين وضميرهم، بهذا الوضع الخاص لو لم يكن ميشال عون بالسلطة لكان تم توقيف طارق يتيم لعدة أيام فقط، ولهذا فان الحكم الجديد الذي صدر لم يكن يستطيع تجاهل الحكم القديم حرصا على زملائهم من القضاة وأساسا ان طارق يتيم قد قضى هذه الفترة بالسجن ، ولهذا صدر القرار بالحكم عليه عشرين عاما،
أراحوا ضميرهم وبكل الأحوال قضي يتيم محكوميته تقريبا.
واخيراً حاولت العدالة ان تنصف بعض الشيء طارق يتيم .
