قدّم المسؤولية والذاكرة المالية على الشعبوية
ياسين جابر وتصحيح الرواتب: لا عدالة اجتماعية على أنقاض الاستقرار النقدي
داود رمال – “اخبار اليوم”
جاء ردّ وزير المال ياسين جابر على مطالبات عدد من النواب بتعهدات فورية لتصحيح الرواتب، ليشكّل حدّاً بين منطق الدولة ومنطق الشعبوية، في بلد لا يزال يدفع أثمان قرارات اتُّخذت تحت ضغط الشارع والحسابات السياسية الضيقة. فالكلام الذي أدلى به جابر لم يكن تهرّباً من الاستحقاق الاجتماعي ولا إنكاراً لحقوق العاملين في القطاع العام والمتقاعدين، بل محاولة واعية لإعادة النقاش إلى إطاره الصحيح أي كيف نُحسّن الرواتب من دون تفجير ما تبقّى من استقرار نقدي ومالي.
حرص جابر على التذكير بأن الحكومة والمجلس النيابي يعترفان بأحقية المطالب، لكنه شدد في المقابل على أن التحدي الحقيقي يكمن في طبيعة الزيادات لا في مبدئها. فالتجربة اللبنانية أثبتت أن أي ضخ عشوائي للأموال، من دون غطاء إصلاحي أو رؤية مالية متوسطة الأجل، ينعكس مباشرة على سعر الصرف ويقود إلى تآكل القدرة الشرائية، بحيث تتحول الزيادة الموعودة إلى عبء إضافي على الموظف نفسه. وفي هذا السياق، أعاد جابر وضع الإصبع على الجرح حين أشار إلى أن الفائض المتوافر في الخزينة هو بالليرة اللبنانية لا بالعملات الصعبة، في وقت لا تزال الدولة مثقلة بديون واستحقاقات لا يمكن تجاهلها أو ترحيلها بلا كلفة.
هذا المنطق، الذي بدا للبعض بارداً أو تقنياً، يستند في العمق إلى ذاكرة مالية قريبة العهد، أبرز محطاتها إقرار سلسلة الرتب والرواتب في تموز 2017، والتي رُوّج لها يومها كإنجاز اجتماعي كبير، قبل أن تتحول إلى أحد العوامل البنيوية التي ساهمت في تفجير الاختلالات المالية والنقدية لاحقاً. يومها، أُقرّت السلسلة من دون إصلاحات موازية أو موارد مستدامة، فدُفعت من جيوب اللبنانيين لاحقاً عبر التضخم وانهيار العملة. من هنا، بدا جابر حريصاً على القول إن المطلوب اليوم ليس تكرار الخطأ نفسه تحت عناوين جديدة، بل تفادي الكارثة نفسها وإن تغيّرت الظروف.
وفي موازاة هذا التحفّظ المالي، سعى جابر إلى تفنيد الاتهامات الضمنية بالتقاعس، مذكّراً بأن الحكومة لم تقف مكتوفة الأيدي، إذ أقرّت زيادات للعسكريين في الخدمة الفعلية وللمتقاعدين منهم، والتزمت بها رغم العراقيل القانونية التي برزت بعد قرار مجلس شورى الدولة وقف تنفيذ المرسوم المتعلق بالإيرادات المخصصة لتغطيتها. والأهم أن هذه الزيادات لم تُترك معلّقة، بل جرى التعامل معها كمسؤولية دولة، عبر التقدم بمشروع قانون إلى مجلس النواب لتأمين الغطاء التشريعي اللازم.
كذلك، كشف جابر عن مسار عمل متواصل وجدي لتصحيح الرواتب في القطاع العام، من خلال الاجتماعات المتكررة مع مجلس الخدمة المدنية والفريق الفني الذي أعد مشروعاً تصحيحياً يشمل مختلف الفئات، بما فيها أساتذة التعليم الرسمي. هذا المسار تُرجم بورش عمل ومناقشات حكومية، وصولاً إلى عرض آخر تحديثات المشروع على مجلس الوزراء، والاتفاق على تخصيص جلسة للبت به ضمن مهلة زمنية واضحة، بعد إقرار الموازنة، مع تأكيد التزام الحكومة البدء بالتنفيذ قبل نهاية شباط.
لقد بدا موقف وزير المال محاولة لإعادة الاعتبار إلى مفهوم السياسة العامة، في مواجهة إغراء القرارات السهلة والشعارات الجذابة. فتصحيح الرواتب قرار مالي خطير تتجاوز نتائجه الحاضر إلى مستقبل الاستقرار النقدي والاجتماعي. وبين ذاكرة سلسلة 2017 وواقع غير مستقر لم يتعافَ بعد، اختار جابر أن يتحدث بلسان الدولة، لا بلسان اللحظة، واضعاً النقاش أمام معادلته الحقيقية وهي ان العدالة الاجتماعية لا تُبنى على حساب الانهيار الشامل، بل على توازن دقيق بين الحق والقدرة، وبين الحاجة والذاكرة.
