بعد كارثة طرابلس .. هكذا تحوّلت الابنية من رافعة للتنمية إلى عبء على الاقتصاد؟
بقلم المهندس المدني بلال علي
في العديد من المدن اللبنانية، ولا سيما بيروت وطرابلس، يعاني المخزون العقاري من التقادم؛ إذ إن أكثر من 80٪ من المباني في طرابلس، على سبيل المثال، يتجاوز عمرها اليوم أربعين عاماً. وفي ظل غياب الصيانة الدورية والمراقبة التقنية الإلزامية، تفقد هذه المباني تدريجياً ليس فقط قيمتها الإنشائية، بل أيضاً قيمتها الاقتصادية وإمكاناتها المستقبلية للترميم.
وبعبارة أخرى، فإن المبنى غير الخاضع للصيانة يصبح، مع مرور الوقت، غير مجدٍ اقتصادياً لإعادة التأهيل.
من الصيانة إلى الترميم: عتبة لا عودة بعدها
تمثّل الصيانة الوقائية (كالكشف الدوري، ومعالجة التشققات، والحماية من الرطوبة، والإصلاحات الموضعية للخرسانة وحديد التسليح) كلفة محدودة وقابلة للتحكّم.
في المقابل، يؤدي غياب الصيانة إلى:
-تآكل حديد التسليح،
-تدهور عميق في الخرسانة،
-فقدان القدرة التحميلية،
-وزيادة مستوى الخطر الزلزالي.
وعندما تبلغ هذه الأضرار مستوى معيّناً، تتجاوز كلفة الترميم القيمة السوقية للمبنى نفسه. عندها، لا يعود الترميم خياراً عقلانياً، بل يتم الانتقال إلى حلول أكثر كلفة، كالتدعيم الثقيل أو الهدم وإعادة البناء.
وعليه، فإن الإهمال يقضي على الجدوى الاقتصادية المستقبلية للترميم.
المهندس بلال علي
خسارة اقتصادية جماعية
لا تقتصر تداعيات هذا الواقع على المالكين فحسب، بل تمتد لتشمل:
-تدهور قيمة التراث العمراني،
-هدر فرص استثمارية محتملة،
-إضعاف سوق العقارات،
-وزيادة المخاطر البشرية والمالية التي تتحمّلها الدولة.
فكل مبنى متروك من دون رقابة تقنية يشكّل «ديناً تقنياً» خفياً، ستُدفع كلفته عاجلاً أم آجلاً:
إما من قبل المواطنين،
أو من قبل البلديات،
أو من قبل الدولة، وغالباً في حالات طارئة عقب وقوع كوارث أو حوادث إنشائية.
-ضرورة إقرار قانون فعّال وملزِم
في غياب إطار قانوني واضح ومطبَّق، تبقى الصيانة مُتعاملًا معها كخيار اختياري، في حين يفترض أن تكون التزاماً ذا مصلحة عامة.
وينبغي لأي قانون فعّال أن يفرض:
-إجراء كشوفات تقنية دورية وإلزامية،
-تصنيف المباني وفق حالتها الإنشائية،
-إلزام المالكين بأعمال صيانة وقائية محدّدة،
-واستحداث آليات تحفيز مالية لتشجيع الصيانة الدورية.
ومن دون هذه التدابير، فإن كل سنة تأخير:
-ترفع كلفة التدخلات المستقبلية،
-تقلّل من قابلية الترميم،
-وتحوّل المباني تدريجياً إلى أعباء اقتصادية بدل أن تكون أصولاً منتجة.
إن المسألة لا تتعلق بالأمان الإنشائي فحسب، بل بالحفاظ على القيمة الاقتصادية للثروة العقارية.
فمن دون صيانة ومراقبة منظَّمتين ومُلزِمتين بقوة القانون، تضيع جدوى الترميم قبل الشروع فيه، ويتحوّل العمران القائم من رافعة للتنمية إلى عبء على الاقتصاد الوطني.
إن الاستثمار في الصيانة اليوم،
هو تجنّب لانفجار مكلف غداً

