في تجربة سياسية حديثة ينبثق منها أمل جديد، يطرح سعادة النائب إيهاب مطر رؤية متجددة لانتخابات بلدية طرابلس، تجربة تتسم بالتمرد على النظام التقليدي الذي لطالما فرض اللوائح والمرشحين على أهل المدينة، دون أن يُترك لهم خيار حقيقي في اختيار ممثليهم، هذه المرة، سوف يقدم النائب مطر دعمه للائحة التي تمثل المدينة وأهلها، في خطوة جريئة نحو إعادة إحياء هوية طرابلس السياسية، بعيدًا عن التدخلات والضغوطات التي لطالما اجتاحت الانتخابات البلدية الماضية، هذا الخيار الذي انتهجه مطر في كل خطواته، وكان أبرزها الإستفتاء الجماهيري الكبير الذي من خلاله أعطى مطر ثقة طرابلس وشعبها بالحكومة الأخيرة.
ولطالما اعتادت طرابلس أن يتم فرض إرادات خارجية على ناخبيها، فكانت الانتخابات في الماضي أشبه بمسرحٍ سياسي تجري فصوله وفقًا لقراراتٍ سياسيةٍ لا علاقة له بتطلعات أهل المدينة. وعلى الرغم من تميز طرابلس بتنوعها الاجتماعي والسياسي، إلا أن هذا التنوع كان قد اختطفته الوصاية والزبانية والتبعية السياسية، فكان المرشحون يفرضون بالقوة من قوى سياسية مشبوهة، على غرار الزبانية الذين يشغلون مواقعهم بفضل ولاءاتهم وليس بكفاءاتهم، لينشأ بذلك نوع من التبعية السياسية التي لا تميز بين الوطن والزعيم.
لكن تجربة النائب مطر لا تتوافق وهذا الواقع المُر، حيث يطرح تجربة جديدة، يدعو من خلالها الطرابلسيين إلى أن يكون لهم صوت في اختيار مصير مدينتهم، وأن ينتزعوا قرارهم من قبضة الوصاية والتبعية. التجربة التي يروج لها مطر ليست مجرد دعوة عابرة أو شعار زائف، بل هي حركة حقيقية تهدف إلى إعادة بناء مدينة طرابلس على أسس سليمة من الإنماء والإنتماء والتغيير من أجل النهوض بالمدينة المترنحة، بعيدًا عن أساطير الولاء العمياء التي كانت تسيطر على مشهدها السياسي، الذي لا يليق بتاريخ هذه عاصمة الوطن الثانيّة.
في قلب هذه التجربة، يتجلى صدق النائب إيهاب مطر في حمل الأمانة التي كلفه بها أهل طرابلس، وتظهر دعوته الصادقة لرفض الوصاية السياسية، ذلك الكابوس الذي ظل يطارد المدينة لعقود، ففي كل دورة انتخابية، كانت طرابلس تجد نفسها أسيرة لقرارات مفروضة من قوى سياسية لم يكن للمدينة فيها أي قيمة سوى أن تكون ساحة للصراعات السياسية، تٌدمرها في حالات التوافق والخلاف، واليوم يرفع مطر الصوت عاليّاً ليقول “لا للوصاية، لا للزبانية، لا للتبعية”، ليؤكد أن طرابلس، بماضيها العريق وخصوصيتها الفريدة، تستحق أن تقرر مصيرها بنفسها بعيدًا عن التدخلات التي لم تزدها إلا تهميشًا واغترابًا عن مصالحها.
إن هذه التجربة، في حال استوعبها الطرابلسيون كما يجب، ستكون نقطة تحول فارقة في حياة المدينة، فهي ليست مجرد انتخابات، بل هي عملية بناء وإعادة تعريف للهوية السياسية الطرابلسية، إذا ما تمكن أهل المدينة من اختيار ممثليهم بعيدًا عن الوصاية والزبانية والتبعية، فإنهم سيضعون أساسًا متينًا لمرحلة جديدة من الإنماء الحقيقي والعدالة الاجتماعية، خاصةً أنّها تحمل في طياتها فرصة حقيقية للانطلاق نحو مستقبل يتسم بالاستقلالية السياسية، حيث يكون الانتماء للمدينة هو المعيار الأول والأخير.
ختامًا، إن التغيير الذي يطرحه النائب إيهاب مطر ليس مجرد تغيير في الوجوه، بل هو تغيير في الفكر والممارسة السياسية إنه دعوة للتخلص من قيود الماضي، وبداية جديدة لطرابلس التي تستحق أن تكون نموذجًا للتغيير الحقيقي في لبنان. هذه الفرصة يجب أن يغتنمها الطرابلسيون ليؤكدوا أن مدينتهم لا تسير إلا على درب الحرية والاستقلال، طريقًا لا مجال فيه للوصاية، ولا للزبانية، ولا للتبعية.
عدنان آدم
