الإعلامية اماني نشابة
طرابلس، المدينة الشمالية العريقة، تعتبر رمزاً حياً للعيش المشترك والوحدة الوطنية، وهي تحمل في طياتها تاريخاً طويلاً من التنوع الثقافي والاجتماعي. منذ العصور القديمة وحتى يومنا هذا، كانت طرابلس ملاذاً لكل من سعى للأمان والاستقرار، تجسد ذلك في احتضانها للنازحين من كل بقاع الوطن، وخاصة من الجنوب اللبناني، خلال محن الحروب والنزاعات.
طرابلس لم تكن يوماً مدينة مغلقة على نفسها أو محصورة في انتماء طائفي أو مذهبي، بل كانت دائماً مدينة لكل اللبنانيين. هذه المدينة الساحلية، التي يطل بحرها على العالم، فتحت أبوابها وقلوب أهلها لكل من طرق بابها، سواء كانوا من الجنوب أو من أي منطقة أخرى. هنا، لا يُسأل القادم عن طائفته أو مذهبه، بل يُنظر إليه كإنسان في حاجة إلى المساعدة.
لكن طرابلس ليست فقط ملجأً للنازحين، بل هي أيضاً مدينة الثورة. طرابلس التي انتفضت دفاعاً عن حقوق الفقراء والمهمشين، حملت لقب “أم الفقير” بكل فخر. في شوارعها وساحاتها، اجتمع الناس من كل الأطياف للمطالبة بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. كانت طرابلس في مقدمة الحراك الشعبي الذي وحد اللبنانيين خلف راية المطالب العادلة.
إلى جانب ذلك، طرابلس هي عاصمة الثقافة، فهي المدينة التي أخرجت إلى العالم علماء ومفكرين وفنانين أثروا الفكر العربي والإسلامي والعالمي. تاريخها العريق، الذي يتجلى في أسواقها القديمة وقلعتها العتيقة ومكتباتها، يعكس عمقها الثقافي وحبها للعلم والتنوير.
طرابلس ليست فقط مدينة، بل هي حكاية من الألم والصمود، حكاية تحمل بين ثناياها مشاعر مختلطة من الحزن والأمل. هي المدينة التي تألمت من الحروب والاضطرابات، لكنها وقفت شامخة، مثلها مثل الفقراء الذين احتضنتهم. طرابلس هي مثال حقيقي على أن الألم يمكن أن يصنع قوةو يمكن أن تُنبت وحدة وتلاحماً.
في النهاية، تبقى طرابلس مدينة تستحق أن تُذكر ليس فقط كمدينة لبنانية، بل كرمز للعيش المشترك، للثورة، للفقير، وللثقافة. هي المدينة التي جمعت بين الأصالة والحداثة، بين الصمود والأمل، بين الماضي والمستقبل.
