الإعلامية اماني نشابة
كما هي في كل مرة تتعرض فلسطين لمقتل من الاحتلال المتغطرس على أطفال ونسوة وشيوخ وعجائز غزّة، لم تكن نفسها “ست الدنيا بيروت” التي نال منها اليأس، سوى التضامن والاستنكار. ظهرت بكل شموخ ووضوح لا لُبس فيه الانحياز الكامل مع القضية الراسخة في الوجدان والقلب، ومع الضحايا، وبرغم المصاب الجلل، بارتقاء الزميل عصام عبدالله و إصابة الزميلين كارمن جوخدار وإيلي براخيا في قصف إسرائيلي على سيارتهم جنوب لبنان.
اهتزت العاصمة فزعاً وسخطاً، لعنت إسرائيل وأميركا، وأوروبا، ولعنت التّخاذل. لكنّها لم تفتعل العنف ولم تدع للانخراط الماديّ أو العسكريّ فيه. كان انحياز بيروت موزوناً، عاطفيّتها مُعقلنة.
وحتى وإن قصف الاحتلال الاسرائيلي المتغطرس وهو الذي يحظى بالدعم اللا محدود، أمريكياً وأوروبياً وعدد من العواصم العالمية، غزّت التّظاهرات التّضامنيّة المُنظمة والمُحضرة، المدينة، الغارقة في همومها الخاصة… نعم هي التظاهرات الممُشبعةٌ بطيفٍ رمزيّ، لم ينكفأ طيلة اليوم.
كان كرنفالٌ تضامنيّ، مهرجانٌ شعبيّ احتل الشوارع والأزقة كان الطاغي فيها اناشيد الحرية وبروز الأعلام الفلسطينية تصدح الحناجر لفلسطين
كانت مشهدية ربما يمكن وصفها نادرة على وقع إيديولوجية من الصعب أخلاقيًّا ازدراؤها كانت شبيهة بالكليشيه الوطنيّ
كانت العاصمة بتوصيفها العمومي، ومن باب التعبير المجازي، وصل صوتها للعاصمة الأردنية “عمان” وعاصمة فلسطين الأبدية “القدس” الشريف واحتضنت الأقصى مسرى الرسول محمد للسموات.
أخذت القضيّة على عاتقها، عدّتها قضيةً شخصيّة، مُرتبطة تمام الارتباط بمفهوم أشمل من القوميّة، والعروبة، أعطتها بُعدها الإنسانيّ، التّاريخيّ، الشعبيّ، الحميميّ، الذي تجاهلته دول العالم الأول. الدول الديمقراطيّة، المدنيّة، الإنسانيّة. كانت بيروت مُتأسلمةً، ومُتمدنة، وحقوقيّة، ومُدافعة، جمعت كل تناقضاتها وحيّدتها جانبًا، باللحم الحيّ، لكنها لم ترض توريط هذا اللحم بمقتلةٍ لا يُحمد عقباها.
