على مدى سنةٍ كاملة، واجه المدّعي العام التمييزي القاضي جمال الحجّار كل الضغوط لإخراج المحقّق العدلي في ملف انفجار المرفأ، القاضي طارق البيطار، من «عزلته». صمد الرّجل أشهراً متمسّكاً بعدم قانونيّة الاستنابات القضائيّة وجلسات الاستجواب انطلاقاً من قرار المدّعي العام التمييزي السابق، القاضي غسّان عويدات، الذي فرض على النيابة العامّة التمييزية عدم تسلّم أي مذكّرة من البيطار، وادّعى على الأخير جزائياً باعتباره مغتصب سلطة. ووصلت الأمور في إحدى المرّات إلى وضع الحجّار استقالته على الطّاولة في حال «هجم» البيطار في تحقيقاته أكثر وبطريقة غير قانونيّة.
لكنّ هذا الصّمود سُرعان ما تبدّد، وقلب الحجّار الطّاولة على الجميع، فأصدر أمس قراراً بـ«وقف قرار عويدات الذي أوقف التعامل مع البيطار، وأعاد الأمور إلى ما كانت عليه لجهة التعاون مع المحقّق العدلي». ولم يقدّم المدّعي العام التمييزي أي مسوّغات أو تعليل أو تفسير، لا في متن قراره ولا حتّى للمقرّبين منه ممن راجعوه في الموضوع، مكتفياً بالإجابة: «هذا هو قراري».
«القرار – الانقلاب» على حدّ تعبير العديد من أهالي الشهداء والمتضررين ووكلاء الدّفاع عنهم، فيه الكثير من «شُبهة التسييس»، ولمّح هؤلاء إلى وجود «صفقة ما» أدّت إلى تراجع الحجّار عمّا كان يُعيده على مسامعهم، لافتين إلى أنّ «الدّيل» بين الحجّار والبيطار ستظهر مؤشراته في الأيّام المقبلة، بعد أن يختتم الأخير تحقيقاته لإحالة الملف إلى النيابة العامّة التمييزية قبل أن يُصدر قراره الاتهامي وتُصدر النيابة العامة مُطالعتها بالأساس، لتكون الخاتمة بإحالة الملف إلى المجلس العدلي.
وتُرجّح مصادر متابعة لصحيفة “الأخبار” أنّ الاتفاق يقوم على أن يُطلق الحجّار يدي البيطار في تحقيقاته، مقابل ألّا يذهب الأخير بعيداً في طموحاته، وتحديداً في عدم إصدار أي مذكّرة توقيف لأيّ من المُدّعى عليهم، وهو ما تمّ إبلاغه للبعض منهم. وبالتالي، سيكون له «امتياز» إصدار مذكّرات إلقاء القبض بعد قراره الظني على أن تُترك صلاحيّة تنفيذها للمجلس العدلي الذي على الأرجح لن يبدأ جدياً بجلساته إلا بعد سنوات، ما يعني فعلياً إطلاق «رصاصة الرحمة» على الملف، وتركه للاحتضار، وإن كانت الخشية مستمرة من استثمار مضمون القرار الاتهامي في السياسة الدّاخلية.
في المُقابل، ترى المصادر أنّ الحجّار لم يتراجع عن قراراته السابقة بتقييد البيطار واعتباره «مغتصب سلطة»، إلا بعدما وصلته إشارات السّلطة السياسية بإمكانيّة الإطاحة به وتعيين بديل عنه بالأصالة. وهنا لا يعرف هؤلاء ما إذا كان المدّعي العام التمييزي قد وصلته إشارة بأنّ تليين موقفه تجاه البيطار يعني حكماً تثبيته في موقعه، أم أنّها كانت طريقة لـ«مغازلة» العهد الجديد!
